لماذا لا يكفي تسليم المشروع لإثبات النجاح؟
منذ انطلاق رؤية المملكة 2030، شهدت المملكة تحولًا غير مسبوق على كافة المستويات. آلاف المبادرات، مئات البرامج، ومشاريع استراتيجية غيّرت شكل القطاعات الحكومية والخاصة على حد سواء. وقد كنت محظوظًا بأن أكون جزءًا من هذا التحول منذ عام 2015، عبر تأسيس مكاتب إدارة مشاريع وقيادة مبادرات مرتبطة بتحقيق مستهدفات الرؤية.
لكن هناك سؤال ظل يراودني:
هل مجرد تنفيذ المشروع وتسليمه يعني أننا حققنا الأثر الاستراتيجي المنشود؟
نفذنا آلاف المشاريع. نعم.
حققنا إنجازات ملموسة. بالتأكيد.
لكن هل نستطيع — بعد تسليم المشروع مباشرة — أن نؤكد أنه أحدث فرقًا حقيقيًا في أهدافنا الاستراتيجية؟
هنا تكمن الإشكالية.
المشكلة ليست في التنفيذ… بل في القياس
في كثير من الجهات، يتم ربط المشاريع مباشرة بمؤشرات أداء استراتيجية عليا.
مؤشرات مثل:
- الناتج المحلي الإجمالي
- التصنيفات الدولية
- معدلات التضخم
- مستويات النضج المؤسسي
هذه مؤشرات مهمة بلا شك، لكنها:
- تُقاس سنويًا أو نصف سنويًا
- تتأثر بعشرات العوامل
- بطيئة التغير بطبيعتها
وبالتالي، عند تسليم المشروع، لا يمكننا رؤية أثره الفعلي إلا بعد فترة طويلة — إن أمكن عزله أصلًا.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية:
- تضعف ثقة القيادات في الاستراتيجية.
- تتآكل قيمة مكاتب الاستراتيجية (SMO).
- يُنظر إلى مكاتب إدارة المشاريع (PMO) كمجرد جهات تنفيذ.
- تتحول الاستراتيجية إلى وثيقة نظرية بدلًا من أن تكون أداة توجيه فعلية.
الحلقة المفقودة: قياس تحقيق المنافع (Benefits Realization)
ما نحتاجه ليس المزيد من المشاريع.
بل المزيد من الوضوح حول أثر هذه المشاريع.الحل يكمن في تمكين منهجية قياس تحقيق المنافع، من خلال:
- مؤشرات قصيرة المدى
- سهلة القياس
- مرتبطة مباشرة بمخرجات المشروع
- تعكس أثرًا تشغيليًا ملموسًا
بدلًا من ربط مشروع أتمتة جوازات السفر بمؤشر “نضج التحول الرقمي” — وهو مؤشر يتأثر بعدة مبادرات — يمكن ربطه بمؤشرات مثل:
- عدد المعاملات اليومية
- متوسط زمن المعالجة
- تكلفة المعاملة
- نسبة رضا المستفيدين
هذه المؤشرات لا تنتظر عامًا كاملًا لتخبرنا إن كنا نسير في الاتجاه الصحيح.
هي تعطينا إشارة فورية.

ماذا تقول المنهجيات العالمية؟
يشير دليل PMBOK إلى أن مدير المشروع يعمل مع الراعي لضمان مواءمة خطة إدارة المنافع طوال دورة حياة المشروع.
بينما يذهب PRINCE2 أبعد من ذلك، حيث يحمّل مدير المشروع مسؤولية تطوير خطة المنافع والحفاظ عليها وتحقيق مستهدفاتها.وهنا أرى أن إدارة تحقيق المنافع ليست خيارًا تكميليًا، بل يجب أن تكون جزءًا أصيلًا من مسؤوليات مدير المشروع.
لكن الأهم من ذلك:
إدارة المنافع ليست مسؤولية فرد، بل مسؤولية منظومة.
الفرق بين “مؤشر استراتيجي” و “مؤشر منفعة”
المؤشر الاستراتيجي:
- يعكس أثرًا بعيد المدى
- يتأثر بعوامل متعددة
- يصعب عزله على مشروع واحد
مؤشر تحقيق المنفعة:
- مرتبط مباشرة بمخرج المشروع
- قابل للقياس الفوري
- يعكس أداءً تشغيليًا واضحًا
المشاريع يجب أن ترتبط بمؤشرات المنفعة.
أما مؤشرات الاستراتيجية، فهي نتيجة تراكم تلك المنافع.
لماذا هذا التحول مهم الآن؟
لأن المرحلة القادمة لم تعد مرحلة “التنفيذ المكثف”،
بل مرحلة “تعظيم الأثر”.القيادات اليوم أكثر وعيًا بالسؤال التالي:
ما القيمة الفعلية التي تحققها هذه المشاريع؟
ومتى ما استطعنا الإجابة على هذا السؤال بلغة رقمية واضحة،
سنرفع من:- قيمة المشاريع
- مكانة مكاتب إدارة المشاريع
- دور مكاتب الاستراتيجية
- ثقة أصحاب المصلحة
- ارتباط الموظفين بالمنظومة
الخلاصة
تنفيذ المشروع لا يعني تحقيق الاستراتيجية.
وتسليم المخرج لا يعني تحقيق الأثر.الحل ليس في زيادة عدد المشاريع،
بل في تحسين قدرتنا على قياس المنافع التي تحققها.عندما نربط كل مشروع بمؤشرات منفعة واضحة،
نغلق الحلقة بين التنفيذ والاستراتيجية.وحينها فقط، تتحول الاستراتيجية من وثيقة طموحة…
إلى نتائج ملموسة.
يسعدني سماع آرائكم:
هل تطبق جهاتكم منهجية واضحة لقياس تحقيق المنافع؟
أم لا تزال المشاريع ترتبط بمؤشرات استراتيجية بعيدة المدى فقط؟
